الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

234

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى فهو الملك المطلق الداخل في سلطانه كل ذي ملك . وجملة وَلَهُ الْحَمْدُ مضمونها سبب لتسبيح اللّه ما في السماوات وما في الأرض ، إذ التسبيح من الحمد ، فلا جرم أن كان حمد ذوي الإدراك مختصا به تعالى إذ هو الموصوف بالجميل الاختياري المطلق فهو الحقيق بالحمد والتسبيح . فهذا القصر ادعائي لعدم الاعتداد بحمد غيره لنقصان كمالاتهم وإذا أريد بالحمد ما يشمل الشكر أو يفضي إليه كما في الحديث « الحمد رأس الشكر لم يشكر اللّه عبد لم يحمده » وهو مقتضى المقام من تسفيه أحلام المشركين في عبادتهم غيره فالشكر أيضا مقصور عليه تعالى لأنه المنعم الحق بنعم لا قبل لغيره بإسدائها ، وهو المفيض على المنعمين ما ينعمون به في الظاهر ، قال تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] كما تقدم في تفسير أول سورة الفاتحة . وجملة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معطوفة على اللتين قبلها وهي بمنزلة التذييل لهما والتبيين لوجه القصرين فيهما ، فإن التقدير على كل شيء هو صاحب الملك الحق وهو المختص بالحمد الحق . وفي هذا التذييل وعد للشاكرين ووعيد وترهيب للمشركين . والاقتصار على ذكر وصف قَدِيرٌ هنا لأن المخلوقات التي تسبح اللّه دالة على صفة القدرة أولا لأن من يشاهد المخلوقات يعلم أن خالقها قادر . [ 2 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 2 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 2 ) هذا تقرير لما أفاده قوله : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ التغابن : 1 ] ، وتخلص للمقصود منه على وجه التصريح بأن الذين أشركوا باللّه قد كفروا بنعمته وبخلقهم زيادة على جحدهم دلائل تنزهه تعالى عن النقص الذي اعتقدوه له . ولذلك قدم فَمِنْكُمْ كافِرٌ على وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ لأن الشق الأول هو المقصود بهذا الكلام تعريضا وتصريحا . وأفاد تعريف الجزأين من جملة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ قصر صفة الخالقية على اللّه تعالى ، وهو قصر حقيقي قصد به الإشارة بالكناية بالرد على المشركين إذ عمدوا إلى عبادة أصنام يعلمون أنها لم تخلقهم فما كانت مستحقة لأن تعبد ، لأن العبادة شكر . قال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : 17 ] .